تسجيل لحالة فريدة لمدينة تقهر أبناءها ويقهرونها
المثيرللإنتباه والدهشة هو التجاور والتقارب ما بين الفقراء جداً و الأثرياء جداً بل و التعايش بينهم فكلٌ يتقبل وجود الآخر كحقيقة مسلمة وفي نفس الوقت يتجاهل وجود الآخر لانه ببساطة ليس جزءاً من عالمه وواقعه
علي حافة الرصيف في حارة ضيقة من حواري روض الفرج جلست السيدة الشابة باستسلام يائس تنظر الي واحد من تلك الأبراج البراقة المطلة واجهتها علي نهر النيل من ناحية ومن الناحية الأخري تبدوا وكأنها مارد عملاق يتطلع بإزدراء الي الطرق الثعبانية المنحدرة للحي القديم ومضت تقول: حيشيلونا من هنا زي ما شالوا السوق زمان
هذه الكلمات ومعها الخوف والترقب يظهر باستمرار في عيون الصناع والتجار والحرفيين ليس فقط في روض الفرج ولكن في وكالة البلح وبولاق ابو العلا وارض الترجمان و في تلك المنطقة الممتدة و الواقعة وراء ماسبيرو و ابراج ساويرس واغاخان
إنها منطقة تتناثر علي إمتداد واجهتها بنايات في الغالب زجاجية شاهقة الإرتفاع تتكاثر و تعلوا حول شريط المياه الفيروزية المتدفقه المسمي بالنيل وهي تبشر بمستقبل سياحي باهر. وتجتذب الكثيرمن رؤوس الاموال لهذا الغرض بالذات. ولكن هذه البشري السعيدة هي للأسف تمثل أيضاَ تهديداً لحياة الالاف من البشر ولبنية إقتصادية كانت يوماً وماتزال علي قدر من الإزدهار من صناعات تشغيل معادن و تجارة أخشاب وملابس وغيرها
الجلوس علي الأرصفة والحديث مع أهلنا في هذه الأحياء تجربة يصعب أن تلتقطها الكاميرا ولا توصف بالكلمات. ولكنني أدركت أننا جميعاً شهود علي عملية إبـادة إنسانية، ومشاركين فيها بالسكون والصمت وفي النهاية فإن ما يتم إبـادته بايدينا هم أهلنا و إنسانيتنا و أنفسنا والمستقبل الذي يجيء إلينا ليجد انه ليس هناك اساسات حقيقية من فكر وبشر ليستقر عليها
الكل في إنتظار قرار الإزالة والذي سيدفع بهم وبأبنائهم وباعمالهم الي غياهب الصحراء لتزداد أعداد ساكني العشوائيات عدة الاف أخري تتحول مع الزمن إلي ملايين. وبدلاً من أن يسعد من جاور السعيد. تتعمق الفجوة فيمابينهما و يصبح
بقاء احدهما معناه فناء للآخر . والنتيجة حزام من الفقر تتعدد حلقاته وتتزايد بكثافة خانقة حول القاهرة. حزام أكثرخطورة من الطوق الناسف الذي يحيط بالجسد النحيل لإرهابي بائس تحول بفعل الغضب لقاتل مأجور يقتل نفسه
وآخرين معه
والمشكلة ليست في إزالة حي سكني أو في نقل مجموعة من البشر من مكان إلي مكان, فحتي مع توفر التعويض المالي المناسب وهو امر مشكوك فيه تظل المشكلة قائمة وهي ان الإزالة هي إزالة لبنية إقتصادية قائمة بالفعل مابين تجارة أقمشة و ملابس واخشاب الي صناعات تحويل معادن وحرف ، إضافة الي معمار تاريخي لن يتكرر يتواري في زحمة البشر ويتآكل مع حمي الهدم والبناء و معه تتآكل قاهرة وأحياء تراثية قديمة كان يمكن ان تكون عامل جذب للسياحة رائجة
المشكلة الأخطر هي أن أهل المكان يعيشون في إستسلام يائس حالة من الخوف والقلق لا يعرفون ما يخفيه القادم من الأيام. في حين أن أبسط أنواع الممارسة الديمقراطية تتلخص في حق الإنسان في المعرفة و الإختيار، إختيار مصيره. قرار إزالة أو نزع ملكية لمنفعة عامة أو حتي إعادة تخطيط يجب أن تتمتع بقدر عال من الشفافية وان تتم بموافقة شعبية. ولكن مايحدث عادة هو صدور قرارات يعقبها ظهور جرارات. ويتبع ذلك غضب وثورة وبكاء ويئس وأمال لأسر تتحطم علي صخرة المنفعة العامة وفي الغالب الأعم تكون منفعة عامة تمت خصخصتها لقلة من المنتفعين. و أما البديل الآخر فهوتلك الحالة المزمنة من الإنتظار المر والتي تعني ببساطة أنه ليس هناك تخطيط أو رؤية أو حتي مجرد إهتمام
يحدث ذلك لان القاهريين الحكام والمحكومين سواء يتجاهلون أن المنطق الأساسي للفكر اللإقتصادي هو التنمية الانسانية ليس من أجل الحق والخير والعدل ولكن ببساطة لان التاجر والصانع يجب ان يجد الزبون القادر علي الشراء ويحتاج للعامل المؤهل والماهر وهؤلاء يتآكلون بالتدريج تحت وطأة الإهمال والفقر. ويتحولون من طاقة يمكن ان تكون صانعة وبناءة الي طاقة عاطلة أو تم تعطيلها بفضل التجاهل والإهمال
يحدث ذلك لان القاهريين الحكام والمحكومين سواء يهتمون ببناء مكان وليس ببناء إنسان ولأن الإستثمار العقاري اصبح المرادف الحديث للثروة فتحولت عمليات الهدم و البناء إلي هدف في حد ذاته. و يشارك في قهر المدينة اثرياءُها وفقراءُها لأنهم جميعاً وببساطة يمارسون حالة من الفردية الشديدة ويهتمون بمصالحهم العاجلة الآنية مضحين في سبيل ذلك بالماضي والمستقبل
وبالتالي وفي غياب المنطق والفكر تـتـورم جنبات المدينة مابين ناطحات اسمنتية قبيحة تظهر فجأة الي الوجود في قلب الحي القديم إلي أحياء بنيت بكاملها بلا منطق وأو رؤية. مجرد كتل اسمنتية متراصة راسياً وافقياً ومتنافرة من حيث الطراز والإرتفاعات. والنتيجة أن الهدف الإنساني و الأساسي للبناء وهو السكن والسكون يتواري وراء جدران التملك والإقتناء و الإستيلاء وتجاهل الحقوق الإنسانية ليس فقط لبعض او لعدد كبير من الافراد ولكن للمدينة بكاملها
وربما تكون الأرقام هي الأقدر علي تجسيد المأساة التي تعيشها القاهرة المقهورة و الصابرة. ففي الكيلومتر الواحد في مدينة القاهرة يعيش حوالي 40 الف نسمة في المتوسط، أكرر 40 الف نسمة وفقاً للإحصاءات الرسمية
و في المقابل في باريس مثلاً يبلغ العدد 7 الاف نسمة، وفي لندن المزدحمة دائماً ابداً يصل العدد إلي 5 الاف نسمة. ووفقاً لإحصاء عام 2007 كذلك فإن تعداد سكان المدينة يصل إلي الثمانية عشرة مليوناً. ومن بين ال18 مليوناً هؤلاء هناك مابين 6 الي8 مليون يعيشون في العشوائيات المحيطة بالمدينة. ومثلهم يعيشون في عشوائيات داخل المدينة
المثير للإنتباه والدهشة هو التجاور والتقارب ما بين أولئك الذين يعيشون علي حافة الفقـروهؤلاء الذين يعيشون في عالم الأبراج والقصور المخملي علي حافة النهر بل والتعايش بينهم فكلٌ يعلم بوجود الآخر كحقيقة مسلمة وفي نفس الوقت يتجاهل وجود الآخر لانه ببساطة ليس جزءاً من عالمه وواقعه. المأساة هي أنهما وجهي عملة واحدة هي عشوائية التفكير وغياب الرؤية إلي حد الجهل وانانية القرار. أنانية تدفع بعض القاهريين للتخلي عن مدينتهم ليغادرونها إلي العيش وراء أسوار في مدن جديدة يشتمون فيها رحيق الزهور وتمتص حدائقها ومنتدياتها مخزون السنين من مياه النهر. وهناك وراء الاسواريختفون عن العيون ويختفي كذلك عن عيونهم ما لايريدون رؤيته من عشوائية يُدينون من يمارسها ويتجاهلون ممارستهم لها
الحلم
ماسبق كان هو الواقع الذي نراه في كل يوم في انحاء مدينتنا الصامدة حتي الآن وأما الحلم فهو أن يكتتب المصريين و أن يشاركوا بانفسهم في ترميم احياء روض الفرج وبولاق . علي ان تكون تلك عملية ترميم لبشر لا للحجر فقط
وهو ما يعني طرح عدة رؤي مختلفة لكيفية تطوير وترميم المكان والبيوت وذلك للمناقشة المجتمعية والإستفتاء العام بعد توضيح أبعاد كل خطة. ويعني كذلك طرح خطة عمل يشارك بموجبها الشباب والكبار من أهل المنطقة الي جانب أعداد من المتطوعين من الجمعيات الاهلية والمجتمع المدني والجامعات في عمليات الترميم وإعادة البناء بعد أن يتم تدريبهم وبالتدريج ستتحول الطاقات العاطلة من أهل المنطقة الي عمال مهرة فتفتح لهم ابواب الرزق وكذلك ستتوفر لمختلف صناعات البناء والتشييد وغيرها عمالة مدربة تحتاجها يشدة. ويعني كذلك مشاركة شباب كليات الهندسة و العمارة كجزء من تدريبهم العملي في دراسة الأحياء ورسم المخططات والإشراف علي التنفيذ وتدريب أهل المنطقة ( في الواقع يقوم الطلبة في هذه الجامعات سنوياً بعمليات مسح ورسم مخططات يكون مصيرها الأدراج: أدراج المكاتب وأدراج الرياح
ويعني أيضاً تقديم المنح والقروض الصغيرة للصناع و الحرفيين في المنطقة لتطوير صناعاتهم الصغيرة وتدريبهم بحيث تكون هذه الصناعات من الحرفية والدقة التي تمكن الصانع المصري من مواجهة ومنافسة المستورد وتمكنه من التوسع وإستيعاب المزيد من الايدي العاملة. وبذلك تقوي تلك البنية من الصناعات المغذية و التي يحتاجها بشدة الإقتصاد المصري. ويعني إيجاد حلول معمارية مختلفة للمشكلات البيئية
ويعني ترميم شوارع وطرقات واحياء ، و إنشاء مراكز ثقافية ومسارح شعبية و مهرجانات، لكي تتحول المنطقة الي مركز إشعاع ثقافي وإنساني مثلما كانت يوماً في أوائل القرن الماضي منطقة روض الفرج. والحلم ليس مستحيلاً فهناك تجارب مماثلة علي نطاق ضيق وبدون المشاركة المجتمعية الواسعة في منطقة الدرب الاحمر بالذات تلك المحيطة بحديقة الازهر
من المهم أن يتم ذلك من خلال إكتتاب عام لانه يعني مشاركة المصريين في عملية البناء والتغيير ويعني نشر الوعي و تنامي الإدراك بين الجميع بأهمية عملية إعادة البناء والترميم لحياة الناس علي حساب المصالح والمنفعة الشخصية
ولماذا تلك المنطقة بالذات أولاً لأنها مطمع لصقور الإستثماروالمنفعة الخاصة. ثانياً لانها تملك بنية إقتصادية نحتاج الحفاظ عليها وتملك مقومات مستقبلية من أهمها مرفئ القاهرة البري للنقل، والذي تم تطويره حديثاً ، و يسمح بالتصدير لمختلف انحاء البلاد و أيضاً البلاد المجاورة
وثالثاً لانها منطقة حيوية في قلب القاهرة وتطويرها سيصلح من حالنا جميعاً
وأخيراً نحتاج لمشروع قومي يمس المصري وحياته اليومية، ويقيم جسراً مابين مختلف فئات المجتمع، فيذيب ليس فقط الفروق الإقتصادية والإجتماعية ولكن أيضاً الغضب والأحقاد
والأهم أن مثل هذا المشروع سيقيم جسراً من الثقة ما بين الحكام والمحكومين. فنحن نحتاج لنموذج للتنمية يمكن تطبيقة عدة مرات في مختلف أنحاء المدينة
والأهم من كل ماسبق هو اننا نحتاج الأمل




مقاله تمس وتر حساس للعلاقه بين اصحاب رأس المال المستغل والمعدمين الذين يكتفون فقط بالعويل و البكاء على اللبن المسكوب
ReplyDelete