رغم من انني اتفق تماماً مع كل كلمة وحرف في مقال لعمرو الحمزاوي عن "خطر الاستعلاء باسم الديمقراطية" الا انني اشعركذلك بشديد الاسف علي الحمزاوي نفسه وغيره من الساسة واما الاتفاق فهو حول ما وصفه ب" الحديث الرائج اليوم فى أوساط الطبقة الوسطى المصرية، خاصة فى المدن، عن محدودية الوعى السياسى للمواطنين فى المناطق الريفية ومن محدودى الدخل والفقراء.... وفى ذلك استعلاء مذموم على الأغلبية الساحقة من المصريين التى همشت طويلا وتعرضت لمظالم اقتصادية واجتماعية لا يقبلها على ضميره الجمعى مجتمع متحضر، ولا يجوز أن تصنف اليوم كأغلبية جاهلة تباعد بين الطبقة الوسطى وحلمها الديمقراطى"
والاتفاق ليس مجرد راي نظري ولكنه عن تجربة حقيقية من خلال الحوار مع عدد لا باس به من اهل بلدنا المستنيرين في صعيد مصر وبعضهم لا يملك من دنياه سوي عدة قراريط بسيطة من ارض او ربما لاتتعدي الملكية بقرة وحيدة تدر القليل من اللبن والدخل الا انهم يملكون من الحصافة وحسن التقدير لمجريات السياسة ما لايملكه اصحاب مؤهلات عليا في القاهرة .
و اما الاسف والذي بدات به فهو لان حمزاوي نفسه واسلوب تعامله مع العمل العام يعني بالاساس ان الممارسه لا تتفق مع القول وينسحب ذلك علي معظم اصحاب الراي والقول من مؤسسي الاحزاب او من اصحاب المنطق الممتاز في التحليل والتعبير عبر شاشات الاعلام لانهم ببساطة يتحدثون جميعاً عن اراءهم ..هم ..واحلامهم في السياسة التي طالما حلموا بها وافكارهم ورؤاهم في حين ان ما نحتاجه حقاً ليس ابداء التقدير لاهل بلدنا من اهل مصر ولكن ما نحتاجه هو الحديث عما يريده اهل مصر وليس عما نعتقد انهم يريدونه لان هذا ما نريده نحن
الاخطر هو البدء في تكوين كيانات سياسية وهو ما يسميه البعض احزاب تعبر عن رؤية فوقية لما يجب ان تكون عليه الاحوال. المشكلة ان هذه الكيانات تصنع وهم الديمقراطية والتي يترجمها البعض بانها حكم الشعب للشعب بالشعب. في حين ان ما يحدث هوسعي نخبة للسيطرة علي الشعب بالشعب. الجميع يتحدث عن الاولويات نفسها تقريباً سواء من بناء للمؤسسات او اعادة ترتيب وبناء مؤسسات تعليم او صحة او زراعة. ورغم اننا جميعاً سنتفق مع مثل هذه الاولويات الا ان الحديث النظري لن يكون له اي مردود او واقع في نفوس الناس لانه لا يمس من قريب اوبعيد حقيقة معاناتهم.
فمثلاً يؤكد الجميع بلا استثناء علي فكرة العدالة الاجتماعية ولكن فكرة العدالة لا يمكن ان تختصر في كونها قيمة انسانية. العدالة تعني اسلوب ادارة وتوزيع موارد بشكل يحقق التوازن في المجتمع. والعدالة لن تكون كذلك ان لم يحدث حولها حوار مجتمعي يشمل اصحاب الشأن الحقيقيين . في المجتمع الزراعي اصحاب الشان هم اصحاب الارض من صغار وكبار المزارعين. ان واقع اهل المكان وحقيقة مشكلاتهم هي التي يجب ان يبدء بها اي خطاب سياسي عن العدالة. مثلاً العلاقة ما بين صاحب الارض ومن يستاجرها منه والاخطر العلاقة ما بين الفلاح والحكومة المركزية والاسلوب الآمثل لادارة المنظومة الزراعية والتي يعمل بها مالايقل عن ٣٢٪ من المصريين وتاثير هذه المنظومة علي اسعار الغذاء ونظم الاستهلاك واسلوب الادارة والبنية الاقتصادية التي يعتقدون هم الفلاحين صغارهم قبل كبارهم انها تناسبهم الحوارحول هذه القضايا هوما يجب ان يؤسس فكرة العدالة الاجتماعية في اطار المجتمع الزراعي
قالت لي ام احمد وهي مزارعة تستاجر ثلث فدان ارض لتزرعها بمساعدة ابناءها وبناتها الخمس:" انا عارفة انهم في مصر عايزين يرجعوا الفلوس اللي اتسرقت ودي حاجة كويسة ولكن انا مش حياثر معايا في حاجة لان ما حدش حيرجعلي حقوقي ولا بيدافع عنها" كلمات تعبر عن ادراك هذه السيدة الريفية للواقع القاهري وانفصاله التام عن واقعها هي . احلام ام احمد لا تتعدي تعليم جيد للبنات وزواج سعيد لهن. وحين تساءلت: "ولكن ليه مش بتحلمي انك يكون عندك ارض ملك" هزت راسها وابتسمت:" لا اجرؤ علي مثل هذا الحلم ." اعترضت انا قائلة: "ولكنه حلم وفي الحلم نطلب ما نريد." هزت راسها مرة اخري " لن يكون لدي يوما المال اللازم لمثل هذا فلماذا احلم بما لن يتحقق ابداً" وكان ان ادركت انه حتي الاحلام اصبحت رفاهية تمارسها النخبة القادرة دون السواد الاعظم من المصريين.
حين يريد السياسي ان يقدم نفسه علي انه صاحب رؤية عليه ان يتطرق لواقع حياة الناس وان يظهر اهتمام حقيقي بهذا الواقع حتي لو لم تتبلور لديه الرؤية كاملة لان الامر يحتاج الي دراسة متانية الا ان حديثه يجب ان يتطرق لهذه القضايا بفهم ووعي وادراك للمعاناة. الناس في صعيد مصر ودلتاها ليس لهم صوت مسموع . الناس في احياء قاهرتنا القاهرة لاهلها وفي مختلف المدن من البسطاء ليس لهم صوت مسموع . لا احد يعرف ماذا يريدون حقاً وماالذي يسعدهم . اننا جميعاً نتفق ان اولويات مصر قد تكون التعليم الجيد والصحة والزراعة و اصلاح الاعلام نفسه ولكنها اولويات ادارة دولة في حين انه ربما يفرض علينا الواقع الفعلي ان نتعامل مع اولويات اخري اكثر الحاحاً من وجهة نظر اغلبية صامتة احداها واولها هي ببساطة اعطاء الفرصة والقاء الضوء علي من يعيشون في غيابات التجاهل والصمت لكي يشعروا ان لهم دور وان ارائهم ذات قيمة وهذه اولوية حقيقية ان اردنا ان تكون الثورة هي ثورة شعب لا ثورة نخبة.
والاهم هو ان ننشغل نحن باولوياتهم وقضاياهم وان نبرز حجم تاثيرها ليس فقط عليهم ولكن علي المجتمع ككل. في احيان كثيرة يظن المفكر او السياسي او الاقتصادي انه يملك الحقيقة لان لديه الابحاث والمعلومات اللازمة لتكوين راي وربما تشمل هذه الابحاث استطلاعات لراي الناس كذلك. ولكن يجب ان ندرك انه مهما كان البحث دقيقاً وخطة العمل وافية فان اسلوب التطبيق ان لم يتم من خلال التواصل مع المطالب والاحتياجات ورؤي الناس ان لم يتم من خلال مناقشات وحوارات مع اصحاب الشان فانه لن يصل لمسعاه ولن يحقق التاثير المطلوب. يجب ان يسعي المجتمع المصري الي التخلي عن حالة دوائر الراي المغلقة ووهم امتلاك القدرة لان بعضنا يملك المعلومة. ويجب ان نتحرك اليوم وليس غداً نحو التلاحم مع المجتمع بدءاً من الضعفاء والمقهورين .
كثيراً ما يتباكي البعض لانه ليس هناك زعيم ولكن الحقيقة ان الزعامة ليست كاريزما وتاثير ومكونات شخص بقدر ما هي قدرة الفرد في لحظة فارقة من الزمن علي التعبير الجياش والمتعاطف والمتلاحم عن احتياج ومطلب حقيقي لامة وشعب فيصبح الفرد رمز للكل وهوما حدث مع سعد زغلول وجمال عبدالناصر وغيرهم. التعبير الجياش هنا ضرورة لانه اذا لم يشعر الناس ان وراء الكلمات عاطفة وحب فان سرد الحقاذق واالارقام والمعلومات لن يحقق التلاحم المطلوب. التعبير الجياش معناه ان يكون لدي الشخص مخزون من المشاهدات و الخبرات الحياتية والاحتكاك بالناس والحديث معهم علي ارض الواقع وليس عنهم مع آخرين يعرفون عنهم او يمثلونهم ربما . ان الظن بان قوة وروعة الشخصية هي السبب الرئيسي وراء اي زعامة هو ظن مغلوط لان هناك كثير من الشخصيات اشتهرت بقوة الشخصية والتاثير ولم يتحولوا لزعماء ورموز.
وفي عصرنا الحالي فان الزعامة يمكن ان تكون لفكرة ولكن علينا قبل ان نطلق الافكار النبيلة الواحدة تلو الاخري ان نعلم ان الفكرة هي نبتة يمكن ان تنموا لتصبح شجرة وحينها تتحق زعامة الفكرة كاملة لانها تورق ثماراً وتتسع افرعها لتضم اليها الجميع تلقي عليهم بظلال محبتها . والاشجار ياسادة يجب ان تمتد جذورها في اعماق طين الارض. قانون الحياة يقول ان النمو يبدء من اسفل الي اعلي وليس العكس ولذا نرجو المتحدثين من المفكرين والساسة النزول لارض نسير عليها جميعاً وان يبدءوا في تعلم فنون الزراعة لعلهم يفلحون
خطر الاستعلاء باسم الديمقراطية - عمرو حمزاوي - مقالات وأعمدة - جريدة الشروق
www.shorouknews.com
http://www.shorouknews.com/Columns/Column.aspx?id=458092
فعلا يا ألفة اتفق معاك جدا
ReplyDeleteأن تبدأ من الناس ينبغى أن تكون القاعدة ، ليس لطرح الأفكار أو اختبارها و العمل على تنفيذها بل لمعرفتهم و حبهم و بالتالى سيؤدى ذلك لنجاح مساعى الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و غيرها من المصطلحات التى نسمعها تتردد الآن فى المطلق بدون فهم لمفرادتها و مقصدها